أبي منصور الماتريدي
7
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - أما دليل الملازمة ؛ فلأنه لو طلبها مع كونها ممتنعة فلا يخلو إما أن يكون موسى - عليه السلام - عالما بامتناعها أو جاهلا به ، وكلاهما مناف لمقام نبوته - عليه السلام - أما الأول ؛ فلأن طلب المحال مع العلم بأنه محال يكون عبثا ، ولا شك أن العبث مما يتنزه عنه كلام العقلاء ، فضلا عن النبي المصطفى بالتكليم ، أحد أولي العزم . وأما الثاني ؛ فلأنه يؤدي إلى أن موسى - عليه السلام - جاهل بما يجوز عليه وما يمتنع ، ومن كان هذا شأنه لا يصلح للنبوة ؛ إذ المقصود من البعث هو الدعوة إلى العقائد الحقة والأعمال الصالحة ، فكيف يكون الجاهل بأحكام الألوهية - خصوصا بما يجب وما يجوز وما يمتنع - مكلفا من ( العليم الحكيم ) بهداية الخلق ودعوتهم إلى ما يترتب عليه فلاحهم ونجاتهم ؟ ! قال الشيخ السنوسي في شرح الكبرى : كيف يجهل موسى - عليه السلام - ما أدركت استحالته حثالة المعتزلة ؟ ! فلو لم يعتقد جوازها ما سألها ؛ إذ اعتقاد ما لا يجوز عليه تعالى جائزا كفر ، ومن جوز ذلك على موسى أو على أحد من الأنبياء فهو كافر ؛ إذ الأنبياء معصومون من الخطأ في العقائد الإلهية ، خصوصا الأوليات منها ، وموسى - عليه السلام - من رؤوسهم كما أسلفنا ؛ إذ هو أحد أولي العزم من الرسل . وأما دليل الاستثنائية ( لكنه طلبها ) ، فقوله تعالى : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ، فلا مرية لعاقل في دلالة ذلك على أن موسى - عليه السلام - سأل ربه الرؤية . لكن المعتزلة لما أحالوا رؤيته - تعالى - صرفوا الآية عن ظاهرها ، وأولوها بما يتفق ومذهبهم ، وها هي اعتراضاتهم مع الرد عليها : الاعتراض الأول : قالوا : لا نسلم أن موسى - عليه السلام - سأل ربه الرؤية ، وإنما سأله علما ضروريّا ، وليس في الآية ما يدل على سؤالها ، وما يستأنس به من لفظ الرؤية فالمراد منه العلم الضروري لا حقيقة الرؤية ، ولا ضير في ذلك ، وأن العلم الضروري لازم للرؤية ، وإطلاق الملزوم على اللازم شائع كثير ، ولا سيما « أرى » بمعنى : أعلم ، و « رأى » بمعنى : علم ، ويكون المعنى على هذا من قوله : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ : رب اجعلني عالما بك علما ضروريّا . ففي هذا الاعتراض منع للاستثنائية بمنع دليلها ، وهذا منسوب إلى أبي الهذيل العلاف ، وتبعه الجبائي ، وأكثر البصريين . وأجيب عن هذا الاعتراض : أولا : لا نسلم أن الرؤية في الآية بمعنى العلم الضروري ، وإلا كان النظر المترتب عليها بمعناها أيضا ، والنظر وإن جاز استعماله بمعنى العلم الضروري لكنه في هذا المقام ممتنع لغة ؛ إذ لم ينقل النظر الموصول ب « إلى » إلا بمعنى الرؤية ، وما قيل من أن الدليل هو استحالتها ، فمردود بما سنبينه من الأدلة الدالة على جوازها ، إن شاء الله . ثانيا : لو صح حمل الرؤية على العلم الضروري للزم أن يكون موسى النبي المصطفى بالتكليم غير عالم بربه علما ضروريّا ؛ إذ السؤال عن الشيء إنما يكون عند الجهل به ، وكيف يتصور ممن يدعو الخلق إلى عبادة ربهم أن يكون جاهلا به ؟ ! وأيضا فإن خطابه لربه يقتضي أن يكون معلوما له بوجه ما ، فإن أريد بالعلم المدعى لزومه للرؤية : العلم بالهوية الخاصة ، قلنا : إنه يتناقض مع دعواهم ؛ إذ العلم بالهوية الخاصة بمعنى الانكشاف التام لا يكون إلا بالمشاهدة والعيان ، كما هو شأن جميع الجزئيات الحقيقية ، وأي عاقل يقول بلزوم مثل هذا العلم للرؤية ، على أننا لو سلمنا لزومه للرؤية لوجب أن تؤول الرؤية به ، وحينئذ لا يصح قول المعتزلة ، بل يجوز بها عن العلم الضروري ؛ لأنه لازمها . -